حكومة العثماني.. بين معضلة التشغيل وبيع الوهم – فؤاد السعدي

آخر تحديث : الأربعاء 14 يونيو 2017 - 3:17 صباحًا
2017 06 14
2017 06 14
حكومة العثماني.. بين معضلة التشغيل وبيع الوهم – فؤاد السعدي

الجريدة – فؤاد السعدي

أن يخرج رئيس الحكومة بتصريح على أن السياسات المتعاقبة في قطاع التشغيل أثبتت نجاعتها عبر بلورة استراتيجية وطنية للتشغيل مكنت من إدماج أكبر عدد من الشباب، فشيء من اثنين، إما أن العثماني خارج التغطية، ولا يعلم أن معدل البطالة بالمغرب ارتفع إلى نسبة 10.7 بالمائة خلال الربع الأول من السنة الجارية، رغم النمو الإقتصادي الذي عرفته البلاد. وإما أن المعطيات التي تُقدم له يتم النَّفخ في محتواها حتى تظهر  على أن المقاربات والتدابير التي اتخذتها وزارة التشغيل في عهد الوزير السابق التقدمي الصديقي قد أعطت أكلها، في حين أن العكس هو الذي حصل، فقد ساهمت هذه البرامج والاستراتيجيات والتصورات ليس في تقليص نسبة البطالة، ولكن في الزيادة في طوابير المنتظرين دورهم ليحظوا بفرصة عمل. ولعل الأرقام التي أصدرتها المندوبية السامية للتخطيط تتحدث عن نفسها، وتؤكد أن عدد العاطلين زاد خلال نفس الفترة بمقدار  36 ألف عاطل.

اقرأ أيضا...

ويبدو أن العثماني لم يستفد بعد من أخطائه في تحري الدقة فيما يُقدم له من معطيات، ومُصر كعادته أن يضع نفسه وحكومته في حرج مع المغاربة كما فعل عندما اتهم نشطاء حراك الريف بالانفصال والعمالة لجهات أجنبية والتخوين والشيطنة ظنا أنه سيهدئ الوضع المتشنج ويطفئ فتيل الأزمة، لكن العكس هو الذي حصل و “زاد اشْعلها” بسبب التصريحات التي تحمل الكثير من المغالطات وقليل من الدقة. ليعود مرة أخرى ليدلي بتصريحات جمعت بين الوهم والضحك على الذقون، خصوصا عندما بدأ يتغنى بنجاعة البرامج التي اعتمدتها وزارة التشغيل من أجل التقليص من نسبة البطالة، ويُزايد على المغاربة في قضية أصبحت تثير العديد من الإشكالات الحقيقية لمستقبل البلاد وسلمه الإجتماعي.  فمتى كان الحديث عن نجاح البرامج قبل تقييم حصيلتها، أو حتى قبل عرض تشخيص دقيق وموضوعي، يُمكِّن من معرفة واقع التشغيل ببلادنا ومكامن الخلل أيضا في كل الاستراتيجات المتبعة، وما هي الحلول والسبل لتداركها؟ أم أن وزارة التشغيل في عهد الحكومة السابقة لم تنجح إلا في التأسيس للعبث والفوضى والزبونية.

تماشيا مع هذا الطرح يؤكد ما أصبحنا نسمعه اليوم عن “بيكبوص” الوكالة الوطنية لإنعاش الشغل والكفاءات، وكيف حوَّلَ هذا المرفق العام من مؤسسة لتدبير أزمة البطالة إلى مقاطعة حزبية  يتم من خلالها تصفية الحسابات مع الخصوم وإغداق المكرمات على المقربين مما خلف استياء كبيرا لدى العاملين بها، دون أن تتحرك الجهات الوصية في هذا الشأن. ولن نقف هنا عند مغامرات هذا المدير العام وما خلفته قراراته الارتجالية ذات الخلفيات السياسية من احتقان وتوتر انعكست على مردودية هذه المؤسسة التي أصبح مصير المشتغلين بها تتقاذفه أهواء ورغباته.

بل سنسائل رئيس الحكومة فيما إن كان له علم عن الحصيلة التي تحققت طيلة تقلده لهذا المنصب غير عقد المناظرات وتوقيع الاتفاقيات وإصدار التوصيات، بمعنى أخر  لم ينب هذه الجحافل من الشباب المغربي العاطل غير “الشفاوي”. ونعتقد أن من حق المغاربة اليوم أن يعرفوا نتائج بلورة هذه المناظرات على أرض الواقع التي تم تنظيمها بشراكة مع مجموعة من جهات المملكة في إطار ما أطلق عليه تفعيل المقاربة الترابية التشاركية في إعداد وتدبير منظومة جهوية مندمجة لإنعاش التشغيل سواء المأجور أو الذاتي، وتحسين قابليته عبر التكوين التأهيلي، ودعم حركية الباحثين عن الشغل بالجهات قصد الاستفادة من الوساطة والإدماج، وما مصير التوصيات التي انبثقت عنها، وما مدى ملائمتها مع التطلعات الآنية.

أسئلة وجب على رئيس الحكومة عوض إطلاق الكلام على عواهنه الإجابة عليها قبل الحديث على نجاح البرامج ونجاعتها وهو لا يملك حتى أرقاما حقيقة قادرة على تأكيد أو نفي هذه الحقيقة. وحتى نرفع الحرج عن العثماني ونجنبه الدخول في دوامة الأرقام والحصيلة ونسأله ومن خلاله وزيره في القطاع عن مآل الاستراتيجية الوطنية من أجل التشغيل، وهل هناك نية لذا الحكومة لتصارح المغاربة بالحقيقة وتعترف على أن كل التدابير المتخذة في هذا الإطار قد فشلت وأن من أوكلت له مسؤولية  إنعاش الشغل لم يكن في المستوى المطلوب لكونه غلبت عليه المصلحة الحزبية على المصلحة العامة، ولم يعي بعد أن الحق في الشغل هو مدخل أساسي للولوج إلى باقي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وأنه أصبح من الإشكالات الحقيقية التي تؤثر على استقرار البلاد.

وما حراك الحسيمة إلا نتاج الاستهتار بقيمة المسؤولية المنوطة بالمسؤول الأول عن تدبير  قطاعات حيوية مثل الوكالة الوطنية لإنعاش الشغل والكفاءات، فهل يعي هذا الأخير بمدى فشل تصوراته واستراتيجياته في خلق فرص الشغل كفيلة بدرئ درجة التوتر والاحتقان الإجتماعي وتأجيج الاحتجاجات المطالبة بالشغل والكرامة؟ ماذا ينتظر رئيس الحكومة من مسؤول لا يأتيه من تدبيره لهذه القطاع غير الفضائح؟ وماذا يقول أيضا في تعين محسوبين على حزب الكتاب في مناصب معينة خارج المساطر الإدارية ودون فتح الباب للتباري الديمقراطي الشفاف الذي تتغنى به إيديولجية الحزب؟ متى كان التعين في المناصب العمومية خاضع للمنطق التفضيلي، أم أن استقدام إطارة خبيرة بمونديابوليس وتعينمها بالوزارة يبقى استثناء وهامشا للمناورة لا يستفيد منه غير المحظوظين والمقربين فقط؟  فهل يجرأ العثماني على إعفاء مسؤول يحظى بدعم حليفه في الحكومة، وأي حليف ذلك الذي يحصد من الأصوات القليل ويستفيد من غنائم الاستوزار الكثير .